ابن المقفع

134

آثار ابن المقفع

قال الذئب : إني لست كذلك فيأكلني الملك ، فقد سمحت بذلك وطابت به نفسي . فاعترضه الغراب وابن آوى وقالا : قد قالت الأطباء : من أراد قتل نفسه فليأكل لحم ذئب . فظن الجمل أنه إذا عرض نفسه على الأكل التمسوا له عذرا كما التمس بعضهم لبعض الأعذار فيسلم ويرضى الأسد عنه بذلك وينجو من المهالك . فقال : لكن أنا فيّ للملك شبع وريّ ، ولحمي طيب هنيء ، وبطني نظيف فليأكلني الملك ويطعم أصحابه وخدمه ، فقد رضيت بذلك وطابت نفسي به . فقال الذئب وابن آوى والغراب : لقد صدق الجمل وكرم وقال ما عرف ، ثم إنهم وثبوا عليه فمزقوه . وانما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنه إن كان أصحاب الأسد قد اجتمعوا على هلاكي فإني لست أقدر أن أمتنع منهم ولا أحترس ؛ وإن كان رأي الأسد فيّ على غير ما هم عليه من الرأي ، فإن ذلك لا ينفعني ولا يغني عني شيئا . وقد يقال : خير السلاطين من أشبه النسر وحوله الجيف لا من أشبه الجيفة وحولها النسور . ولو أن الأسد لم يكن في نفسه لي إلا الخير والرحمة لغيرته كثرة الأقاويل ، فإنها إذا كثرت لم تكف دون أن تذهب الرقة والرأفة . ألا ترى أن الماء ليس كالقول ، وأن الحجر أشد من الإنسان ، والماء إذا دام انحداره على الحجر لم يزل به حتى يثقبه ويؤثر فيه ، وكذلك القول في الإنسان . قال دمنة : فما ذا تريد أن تصنع الآن ؟ قال شتربة : ما أرى إلا الاجتهاد والمجاهدة بالقتال ، فإنه ليس للمصلي في صلاته ، ولا للمحتسب « 1 » في صدقته ، ولا للورع في ورعه من الأجر ما للمجاهد عن نفسه إذا كانت مجاهدته على الحق .

--> ( 1 ) المحتسب : المتصدق لوجه الله .